ابن قيم الجوزية

457

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

الثاني عشر : أن يعلم أن رضاه عن ربه سبحانه وتعالى في جميع الحالات يثمر رضى ربه عنه . فإذا رضي عنه بالقليل من الرزق : رضي ربه عنه بالقليل من العمل ، وإذا رضي عنه في جميع الحالات ، واستوت عنده ، وجده أسرع شيء إلى رضاه إذا ترضّاه وتملّقه . الثالث عشر : أن يعلم أن أعظم راحته ، وسروره ونعيمه : في الرضى عن ربه تعالى وتقديس في جميع الحالات . فإن الرضى باب اللّه الأعظم ، ومستراح العارفين ، وجنة الدنيا . فجدير بمن نصح نفسه أن تشتد رغبته فيه . وأن لا يستبدل بغيره منه . الرابع عشر : أن السخط باب الهمّ والغمّ والحزن ، وشتات القلب ، وكسف البال ، وسوء الحال ، والظن باللّه خلاف ما هو أهله ، والرضى يخلّصه من ذلك كله ويفتح له باب جنة الدنيا قبل جنة الآخرة . الخامس عشر : أن الرضى يوجب له الطمأنينة ، وبرد القلب ، وسكونه وقراره . والسخط يوجب اضطراب قلبه ، وريبته وانزعاجه ، وعدم قراره . السادس عشر : أن الرضى ينزل عليه السكينة التي لا أنفع له منها . ومتى نزلت عليه السكينة : استقام . وصلحت أحواله ، وصلح باله . والسخط يبعده منها بحسب قلته وكثرته . وإذا ترحّلت عنه السكينة ترحل عنه السرور والأمن والدّعة والراحة ، وطيب العيش . فمن أعظم نعم اللّه على عبده : تنزّل السكينة عليه . ومن أعظم أسبابها : الرضى عنه في جميع الحالات . السابع عشر : أن الرضى يفتح له باب السلامة . فيجعل قلبه سليما نقيّا من الغش والدّغل والغلّ . ولا ينجو من عذاب اللّه إلا من أتى اللّه بقلب سليم . كذلك وتستحيل سلامة القلب مع السخط وعدم الرضى ، وكلّما كان العبد أشد رضى كان قلبه أسلم فالخبث والدغل والغش : قرين السخط ، وسلامة القلب وبره ونصحه : قرين الرضى ، وكذلك الحسد : هو من ثمرات السخط ، وسلامة القلب منه من ثمرات الرضى . الثامن عشر : أن السخط يوجب تلون العبد ، وعدم ثباته مع اللّه ، فإنه لا يرضى إلا بما يلائم طبعه ونفسه ، والمقادير تجري دائما بما يلائمه وبما لا يلائمه ، وكلما جرى عليه منها ما لا يلائمه أسخطه ، فلا تثبت له قدم على العبودية ، فإذا رضي عنه ربه في جميع الحالات ، استقرت قدمه في مقام العبودية . فلا يزيل التلون عن العبد شيء مثل الرضى . التاسع عشر : أن السخط يفتح عليه باب الشك في اللّه ، وقضائه وقدره ، وحكمته وعلمه . فقلّ أن يسلم الساخط من شك يداخل قلبه ويتغلغل فيه ، وإن كان لا يشعر به . فلو فتش نفسه غاية التفتيش لوجد يقينه معلولا مدخولا ، فإن الرضى واليقين أخوان مصطحبان . والشك والسخط قرينان . وهذا معنى الحديث الذي في « الترمذي » - أو غيره « إن استطعت أن تعمل بالرضى مع اليقين فافعل . فإن لم تستطع فإن في الصبر على ما تكره النفس خيرا كثيرا » . العشرون : أن الرضى بالمقدور من سعادة ابن آدم ، وسخطه من شقاوته ، كما في « المسند » و « الترمذي » من حديث سعد بن أبي وقاص رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « من سعادة ابن آدم : استخارة اللّه عزّ وجلّ . ومن سعادة ابن آدم رضاه بما قضى اللّه . ومن شقوة ابن آدم : سخطه بما قضى اللّه . ومن شقاوة ابن آدم ترك استخارة اللّه » فالرضا بالقضاء من أسباب السعادة . والتسخط على القضاء من أسباب الشقاوة .